تُعد (رابا نوي) واحدة من أكثر الأماكن غموضًا على وجه الأرض، حيث تتوزع على أراضيها تماثيل "مواي" الضخمة التي أثارت حيرة العلماء والمؤرخين لقرون. هذه التماثيل الحجرية الضخمة، التي تزن أطنانًا ويصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 10 أمتار، كانت تُنحت وتُنقل عبر الجزيرة بواسطة شعب رابا نوي بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلادي. لكن السؤال الذي ظل يحيّر الجميع هو: كيف تمكّن شعب بموارد محدودة من نقل هذه التماثيل الضخمة لمسافات طويلة دون استخدام عجلات أو حيوانات جر أو أدوات متقدمة؟ دراسة جديدة نُشرت في أكتوبر 2025 في مجلة العلوم الأثرية (Journal of Archaeological Science) قدّمت إجابة مقنعة، تؤكد الروايات الشفوية لسكان الجزيرة وتكشف عن براعة هندسية مذهلة.
خلفية تاريخية عن تماثيل مواي
هي منحوتات حجرية تمثل أسلاف شعب رابا نوي، وتُعتبر رموزًا روحية وثقافية. يبلغ عددها حوالي 962 تمثالًا، نُحتت من صخور بركانية في محجر رانا راراكو، ثم نُقلت لمسافات تصل إلى 18 كيلومترًا لتوضع على منصات حجرية تُعرف باسم "آهو". هذه التماثيل، التي تتراوح أوزانها بين 10 إلى 80 طنًا، تتميز بتصميمها الفريد: رؤوس ضخمة، أجسام ممدودة، وقواعد منحنية على شكل حرف D. هذه الخصائص لم تكن مجرد تصميم فني، بل كانت مفتاحًا لحل لغز نقلها.
لطالما اقترح العلماء نظريات متعددة لتفسير كيفية نقل التماثيل. منها فكرة استخدام جذوع الأشجار لتدوير التماثيل، أو وضعها على زلاجات خشبية، أو حتى جرّها أفقيًا باستخدام حبال. لكن هذه النظريات كانت تواجه عقبات، مثل ندرة الموارد الخشبية في الجزيرة أو الحاجة إلى قوى عاملة ضخمة، مما جعلها أقل منطقية.
الدراسة الجديدة: المشي بالتماثيل
الباحثان كارل ليبو وتيري هانت، من جامعة بينغهامتون، قدّما في دراستهما المنشورة في أكتوبر 2025 تفسيرًا جديدًا يعتمد على الروايات الشفوية لسكان رابا نوي، التي تتحدث عن "مشي" التماثيل. هذه الفكرة، التي بدت في البداية خيالية، أُثبتت علميًا من خلال تجارب ميدانية، نمذجة ثلاثية الأبعاد، وتحليل فيزيائي دقيق. الدراسة كشفت أن التماثيل لم تُجر أو تُدوَّر، بل كانت تُنقل واقفة باستخدام حبال في حركة تشبه التمايل أو "المشي" المتعرج (zigzagging).
كيف تم نقل التماثيل؟
- تصميم التماثيل: تتميز التماثيل بقاعدة منحنية على شكل حرف D وميل طفيف للأمام، مما يجعل مركز ثقلها مثاليًا للحركة المتأرجحة. هذا التصميم سمح للتمثال بالتمايل جانبيًا عند شده بحبال من الجانبين.
- الحبال والقوى البشرية: باستخدام حبال مصنوعة من ألياف نباتية محلية، كان فريق صغير (أقل من 20 شخصًا) يسحب التمثال بالتناوب من الجانبين الأيمن والأيسر، مما يخلق حركة متعرجة تشبه المشي. هذه الطريقة لم تتطلب قوة عضلية هائلة، بل تنسيقًا دقيقًا.
- الطرق المُعدة مسبقًا: كشفت الدراسة عن طرق منحوتة بعرض 15 قدمًا (حوالي 4.5 أمتار) صنعت خصيصًا لتثبيت التماثيل أثناء النقل. هذه الطرق، التي تُظهر آثار تآكل تتماشى مع الحركة المتأرجحة، كانت تُبنى لتتناسب مع التضاريس الوعرة للجزيرة.
- التجربة الميدانية: لتأكيد النظرية، أجرى الباحثون تجربة بنقل نسخة طبق الأصل من تمثال مواي يزن 4.35 طن لمسافة 100 متر في 40 دقيقة باستخدام 18 شخصًا فقط. هذه التجربة أثبتت أن الطريقة ليست فقط ممكنة بل فعالة جدًا.
الأدلة الداعمة
- تحليل التوزيع المكاني: درس الباحثون أنماط التوزيع للتماثيل المكسورة على طول الطرق، ووجدوا أنها تتطابق مع فكرة الفشل الميكانيكي أثناء النقل المتأرجح، وليس السحب أو الدحرجة.
- الروايات الشفوية: الدراسة أعادت الاعتبار لتقاليد سكان رابا نوي، التي تحدثت عن "مشي" التماثيل. هذا يعكس احترامًا للمعرفة المحلية التي كثيرًا ما أُهملت في الدراسات الغربية.
- الكفاءة: على عكس النظريات السابقة التي افترضت حاجة إلى مئات العمال أو موارد خشبية ضخمة، أظهرت هذه الطريقة أن فريقًا صغيرًا بإمكانيات محدودة يمكنه إنجاز المهمة.
أهمية الاكتشاف
هذا البحث لا يحل لغزًا أثريًا فحسب، بل يعيد الاعتبار لبراعة شعب رابا نوي. بدلاً من تصويرهم كمجتمع استنزف موارده (كما في نظريات انهيار البيئة السابقة)، تُظهر الدراسة أنهم كانوا مهندسين مبدعين استخدموا تصميمًا ذكيًا وتنسيقًا اجتماعيًا لخلق إرثٍ استثنائي. كما أن الاعتماد على فريق صغير يعكس قوة التعاون المجتمعي في مواجهة تحديات التضاريس والموارد المحدودة.