في صباح يوم الأربعاء 15 أكتوبر 2025، هبطت طائرة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في مطار فنيو-دفوريتسي الدولي بموسكو، ليبدأ أول زيارة رسمية له إلى منذ توليه السلطة في ديسمبر 2024 بعد سقوط نظام بشار الأسد. مصحوبًا بوفد رفيع المستوى يضم وزير الخارجية أسعد الشيباني، ومسؤولين عسكريين واقتصاديين، التقى الشرع الرئيس الروسي في قاعة الكرملين الشهيرة. لكن الطلب الأبرز في أجندة المحادثات لم يكن مجرد دبلوماسية روتينية: تسليم بشار الأسد، الرئيس المخلوع الذي لجأ إلى موسكو، ليواجه محاكمة عادلة في دمشق على تهم جرائم حرب وإبادة جماعية.
أفادت مصادر حكومية سورية لوكالة فرانس برس أن "الشرع سيطرح المطلب بوضوح تام، كجزء من مساءلة الجميع عن الجرائم التي ارتكبتها عصابة الأسد". هذه المواجهة ليست مجرد طلب قانوني، بل مفارقة تاريخية: روسيا، التي دعمت الأسد عسكريًا لـ11 عامًا، تواجه الآن مطالبة بتسليمه إلى من قاتل ضدهم. هل ستكون موسكو حليفًا للعدالة، أم ستحمي "صديقها القديم" مرة أخرى؟
السياق التاريخي: من الدعم الروسي إلى السقوط الدرامي
بدأت تدخلها في الحرب السورية عام 2015، عندما أنقذت نظام الأسد من الانهيار بضربات جوية مدمرة أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وفقًا لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش. بحلول 2024، كانت القواعد الروسية في طرطوس وحميميم رمزًا للنفوذ الموسكوي في الشرق الأوسط. لكن في 8 ديسمبر 2024، انهار النظام بعد هجوم خاطف شنته قوات هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني (المعروف الآن بأحمد الشرع).
فرّ الأسد إلى موسكو في طائرة روسية، حيث منحته "لجوءًا سياسيًا" بموجب المادة 63 من دستورها، التي تحظر تسليم "الأشخاص الذين يواجهون اضطهادًا سياسيًا". منذ ذلك الحين، عاش الأسد في قصر سري قرب موسكو، محاطًا بحراسة FSB، بينما تتزايد التقارير عن محاكمات ميدانية في لقادة نظامه.
الطلب السوري: التفاصيل والأهداف
أكد مصدر في وزارة العدل السورية أن الطلب يشمل:
- تسليم الأسد و20 مسؤولاً كبيراً: بما في ذلك ماهر الأسد (أخوه) وعلي مملوك (رئيس المخابرات).
- محاكمة في دمشق: بتهم جرائم حرب، استخدام أسلحة كيميائية (مثل مذبحة الغوطة 2013)، وتعذيب في سجون مثل صيدنايا (أكثر من 100 ألف قتيل).
- استرداد الأصول: 200 مليار دولار أودعها الأسد في بنوك روسية، بالإضافة إلى عقارات في موسكو.
قال الشرع في خطاب قبل الزيارة: "العدالة ليست انتقامًا، بل شرطًا للسلام الدائم". الطلب مرتبط أيضًا بصفقة أوسع: استمرار القواعد الروسية مقابل التعاون في المحاكمات، مع إعادة تدريب الجيش السوري بدعم روسي.
موقف روسيا: بين المصالح والمبادئ
لم يصدر الكرملين تعليقًا فوريًا، لكن الخارجية الروسية أكدت "دعم السيادة السورية". محللون يرون إمكانية صفقة:
- الموافقة المشروطة: مقابل ضمانات ببقاء القواعد (تكلف روسيا 2 مليار دولار سنويًا).
- الرفض: بناءً على سابقة حماية ديكتاتوريين مثل يانوكوفيتش (أوكرانيا) ولوكاشينكو (بيلاروسيا).
اختبار للعدالة العالمية
زيارة أحمد الشرع إلى موسكو ليست مجرد لقاء دبلوماسي، بل اختبار لمبادئ القانون الدولي. إذا سُلّم الأسد، سيكون ذلك انتصارًا لـ13 مليون نازح سوري. أما رفضه، فيعيد التاريخ نفسه: الديكتاتوريون ينجون، والشعوب تدفع الثمن. اليوم، ينتظر العالم إعلان الكرملين – لحظة قد تغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.