الموت الرحيم، المعروف رسميًا في باسم "المساعدة الطبية في الموت" (Medical Assistance in Dying أو MAiD)، هو ممارسة تسمح للأطباء بتقديم مساعدة في إنهاء حياة المريض طوعًا، إما عبر حقنة قاتلة (الأكثر شيوعًا) أو توفير أدوية للانتحار المساعد. يُعتبر من أبرز الدول في العالم في هذا المجال، حيث أصبح MAiD يشكل نسبة كبيرة من الوفيات الطبيعية. القصة بدأت كحركة حقوقية للراحة في الموت، لكنها تطورت إلى جدل أخلاقي واجتماعي حول "حق الحياة" مقابل "حق الموت"، خاصة مع توسعات القانون التي أثارت انتقادات دولية. إليك التفاصيل الرئيسية بناءً على التطورات حتى أكتوبر 2025:
التاريخ والتطور القانوني:
- الأصول (قبل 2016): كان الموت الرحيم غير قانوني في كندا، ويُعتبر جريمة قتل. في عام 1993، خسرت قضية "سوزانا رودريغيز" أمام المحكمة العليا، لكنها أشعلت النقاش. في 2015، أصدرت المحكمة العليا حكمًا تاريخيًا في قضية "كارتر ضد كندا"، معتبرةً أن حظر المساعدة في الانتحار ينتهك ميثاق الحقوق والحريات الكندي، وأعطت الحكومة مهلة حتى يونيو 2016 للتشريع.
- القانون الأول (2016): أقرت الحكومة قانونًا يسمح بـMAiD للبالغين (18 عامًا فما فوق) الذين يعانون من مرض خطير وغير قابل للشفاء، وفي حالة "توقع معقول للوفاة الطبيعية قريبًا" (مثل السرطان المتقدم). كان الهدف حماية الضعفاء مع احترام الاستقلالية.
- التوسع (2021): بعد حكم محكمة كيبيك في 2019 (قضية "تروشون") الذي ألغى شرط "الوفاة المتوقعة"، أقر مشروع قانون C-7 في مارس 2021، مما سمح بـMAiD لمن يعانون من "معاناة غير محتملة" دون أن تكون الوفاة قريبة. أضاف إجراءات أمنية مثل فترة انتظار 90 يومًا واستشارات إضافية، لكنه أثار مخاوف بشأن الضعفاء.
- التأجيلات للأمراض النفسية (2023-2027): كان من المقرر في 2021 إدراج الأمراض النفسية (مثل الاكتئاب) كسبب وحيد، لكن تم تأجيله مؤقتًا إلى 2023، ثم 2024 عبر مشروع C-39، وأخيرًا إلى مارس 2027 عبر مشروع C-62 (فبراير 2024). السبب: الحاجة إلى تدريب الأطباء ووضع ضمانات، كما أوصت لجنة برلمانية في يناير 2024. في كيبيك، سُمح في أكتوبر 2024 بالطلبات المسبقة لأمراض مثل الزهايمر.
- التحديثات الأخيرة (2025): في يونيو 2025، أوصت الأمم المتحدة بإلغاء MAiD للمرضى غير المصابين بأمراض نهاية الحياة، معتبرةً إياه انتهاكًا لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. الحكومة الكندية نفت الإلغاء، مؤكدة استمرار النظام.
"حقّ الحياة" — حجج المؤيّدين والناشطين
من جهة المؤيّدين، يُرى أن السماح للمساعدة الطبية على الموت هو تجسيد لـــ:
- حرية الاختيار والكرامة الذاتية: أن للفرد الحقّ بأن يقرّر متى وكيف ينهي معاناته، خصوصاً إذا كان يعاني من حالة طبية لا أمل فيها للتعافي أو تخفيف الألم.
- رحمة في مواجهة الألم المديد: عندما يصبح استمرار الحياة مصحوباً بمعاناة شديدة لا تُطاق، يرى البعض أن الإعانة على الموت اختيار إنساني ومهتمّ.
- العدالة والمساواة: بعض القوانين كانت تُقيّد المساعدة على الموت بأسباب محددة (مثل أن يكون الموت طبيعيًا ومتوقّعًا)، فالمطالبة بتوسيع الأهلية ترتبط أيضاً بفكرة أن الجميع يجب أن يُعامل على نحو متساوٍ.
"حقّ الموت" — أوّ كيف يُطرح المقابل
لكن من جهة المعارضين، تُثار تساؤلات محوريّة حول مفهوم “الحقّ في الموت” وما ينطوي عليه من مخاطر:
- ما إذا كان اعتراف الدولة بأن للمريض “حقّ الموت” يُضعف أو يقلّل من قيمة الحياة، خاصّة لأشخاص يعانون من إعاقات أو أمراض مزمنة: هل هناك ضغط ضمني أو ظاهري على الأفراد الضعفاء لاختيار الموت؟
- فكرة “الانحدار الزلق” (slippery slope): أي أن توسيع شروط المساعدة على الموت (مثل قبول حالات لا يكون فيها الموت متوقعاً) قد يقود إلى أخطار أخلاقية واجتماعية.
- قلق من أن يكون “الخيار” في بعض الحالات ليس نابعاً من حرّية كاملة، بل من نقص الرعاية الجيدة أو الدعم الاجتماعي، أو ضعف الوصول إلى خدمات التلطيف والرعاية.
النقاط الساخنة في الجدل الكندي
- ما يعنيه “قابلية الموت” (reasonably foreseeable death): التوسّع في قانون Bill C-7 بإلغاء هذا الشرط أثار جدلاً كبيراً، لأنّ ذلك قد يسمح لمن لديهم حالات مزمنة غير مهددة مباشرة للموت بطلب MAiD.
- إشراك الحالات النفسية وحدها: كما ذُكر، من المقرّر أن يُستخدم اعتبار اضطراب نفسي وحيد كشرط للمساعدة على الموت في 2027؛ وهذا ما يثير حفيظة الأطباء النفسيين والناشطين في حقوق المعوّقين.
- حماية الفئات الضعيفة: مثل الأشخاص ذوي الإعاقة، كبار السن، أولئك في وضع اجتماعي أو اقتصادي هش؛ إذ هناك اعتراض على أن تكون المساعدة على الموت خياراً متاحاً قبل توفير كل أشكال الرعاية الملائمة.
الخلاصة
في النهاية، يبقى السؤال: هل تنجح كندا في تحقيق توازن يعكس كرامة الإنسان من جهة، وحقّه في القرار من جهة أخرى؟ أم أن التوسّع في قانون المساعدة على الموت سيحدّ من الأفق الذي يفترض أن يُعطى لكل فرد للعيش — قبل أن يُعطى له خيار إنهاء حياته؟ الجدل ما زال في بدايته، وربّما ستكون سنوات العقد القادم حاسمة في تحديد مسار هذا التوازن.