تُعد (Longyou Caves) في مقاطعة تشجيانغ بالصين واحدة من أعظم الألغاز الأثرية في العالم، حيث تقاوم هذه المنشآت الضخمة المنحوتة يدويًا التفسيرات التقليدية وتحدي فهمنا للتاريخ البشري. اكتُشفت هذه الكهوف بالصدفة عام 1992، ومنذ ذلك الحين، أثارت دهشة العلماء والمؤرخين بسبب حجمها الهائل، دقة تصميمها، وأكثر من ذلك، غياب أي سجل تاريخي أو أثر مادي يوثق بناءها. يُطلق عليها "المعجزة التاسعة للعالم القديم"، وهي ليست مجرد اكتشاف أثري، بل لغز يطرح أسئلة عميقة: من بناها؟ ولماذا؟ وكيف اختفى أي دليل على عملية البناء؟ في هذه المقالة، نستعرض تفاصيل هذا اللغز، استنادًا إلى مصادر موثوقة ومناقشات حديثة (حتى أكتوبر 2025).
اكتشاف كهوف لونغيو: لحظة تغير التاريخ
في يونيو 1992، قرر مزارع محلي في قرية شيان بمقاطعة تشجيانغ، الصين، تصريف بركة ماء كبيرة كانت تُعتبر جزءًا من المشهد الطبيعي للمنطقة. لدهشته، وبعد ضخ المياه، اكتشف أن البركة ليست طبيعية، بل مدخلًا لكهف ضخم منحوت يدويًا. هذا الكهف كان الأول من بين 24 كهفًا (بعض المصادر تشير إلى ما يصل إلى 36 كهفًا) تم اكتشافها لاحقًا في منطقة لونغيو، والتي أُطلق عليها اسم "كهوف لونغيو". تبلغ مساحة الكهوف مجتمعة حوالي 30,000 متر مربع، وتحتوي بعضها على قاعات شاسعة يصل ارتفاعها إلى 30 مترًا، وهي كافية لاحتواء كاتدرائيات بأكملها. الجدران مزينة بنقوش دقيقة تشبه خطوطًا متوازية، وتحتوي على أعمدة وسلالم وتفاصيل معمارية تشير إلى مهارة هندسية استثنائية.
ما يجعل هذا الاكتشاف مذهلاً هو أن الكهوف لم تُذكر أبدًا في أي سجلات تاريخية صينية، رغم أن معروفة بتوثيقها الدقيق للأحداث عبر سلالاتها مثل تشين (221-206 ق.م) وهان (206 ق.م - 220 م). لا توجد إشارات إلى بناء كهوف بهذا الحجم، ولا إلى الغرض منها، ولا حتى إلى القوى العاملة أو الأدوات المستخدمة.
الهندسة المذهلة: دقة تتحدى الزمن
تُظهر مستوى مذهل من الدقة الهندسية. الجدران منحوتة بشكل موحد، مع خطوط متوازية دقيقة تبدو كما لو أنها نُفذت بتقنيات متقدمة. يُقدر العلماء أن بناء هذه الكهوف تطلب إزالة حوالي مليون متر مكعب من الصخور، وهي كمية هائلة كان من المفترض أن تترك حطامًا واضحًا في المنطقة المحيطة. لكن، بشكل غامض، لا يوجد أي أثر لهذا الحطام، مما يثير تساؤلات حول كيفية نقله أو إخفائه.
الكهوف محفوظة بشكل مذهل، حيث لا تظهر عليها علامات تآكل كبيرة رغم تعرضها للمياه لقرون (كانت مغمورة قبل اكتشافها). الأعمدة الداخلية، التي تدعم السقف، مصممة بدقة لتحمل الضغط الهائل، مما يشير إلى معرفة متقدمة بالهندسة الإنشائية. بعض النقوش تشمل رموزًا ورسومات للحيوانات والأشكال الهندسية، لكنها ليست كافية لتحديد الغرض أو المنشئين. يعود تاريخ الكهوف إلى حوالي 2000-2500 عام، استنادًا إلى شظايا فخارية وجدت في الموقع، لكن هذه الشظايا لا تقدم إجابات واضحة عن الغرض أو البناة.
الألغاز العشرة: لماذا تظل كهوف لونغيو لغزًا؟
وفقًا لمصادر مثل Ancient Origins وArchaeology World، هناك عشرة أسئلة رئيسية تجعل لغزًا لا يُحل:
- من بناها؟ لا توجد سجلات تشير إلى أي حضارة أو سلالة قامت بهذا العمل الضخم، رغم أن الصين كانت تحت حكم سلالات موثقة جيدًا مثل تشين وهان.
- كيف بُنيت؟ النحت اليدوي لمليون متر مكعب من الصخور يتطلب قوة عاملة هائلة وأدوات متطورة، لكن لا أثر لأدوات أو تقنيات.
- أين الحطام؟ إزالة كمية ضخمة من الصخور كان يجب أن تترك جبالًا من الحطام، لكن المنطقة المحيطة خالية تمامًا.
- ما الغرض؟ نظريات تشمل استخدامها كمخازن، ملاجئ، قصور إمبراطورية، أو حتى مواقع طقسية، لكن لا دليل يؤكد أيًا منها.
- لماذا لا توجد سجلات؟ الصين معروفة بتوثيقها التاريخي الدقيق، لكن لا توجد إشارة إلى هذا المشروع الضخم.
- كيف حُفظت؟ الكهوف نجت من التعرية والمياه دون أضرار كبيرة، مما يشير إلى تقنيات بناء استثنائية.
- ما معنى النقوش؟ الخطوط المتوازية والرموز غير مفهومة، ولا تتطابق مع أي نظام كتابة معروف.
- لماذا بُنيت تحت الماء؟ كانت الكهوف مغمورة بالمياه، مما يثير تساؤلات حول الغرض الأصلي.
- هل هي من عمل حضارة مفقودة؟ بعض النظريات تشير إلى أنها قد تكون من حضارة ما قبل الطوفان أو غير معروفة.
- لماذا التزامن مع أساطير النار الساقطة؟ بعض الأساطير المحلية تربط المنطقة بحدث كوني قديم، لكن بدون أدلة واضحة.
نظريات حول الغرض والمنشئين
الغموض المحيط بكهوف لونغيو أدى إلى ظهور العديد من النظريات، بعضها علمي وبعضها يميل إلى التخمين:
- نظرية المخازن أو القصور الإمبراطورية: يعتقد بعض العلماء أن الكهوف ربما كانت تستخدم كمخازن سرية للحبوب أو كنوز إمبراطورية، لكن غياب السجلات يجعل هذه النظرية ضعيفة.
- ملاجئ لكارثة كونية: تربط بعض النظريات الكهوف بأساطير محلية عن "نار ساقطة من السماء"، مما يشير إلى أنها ربما بُنيت لحماية سكان من كارثة مثل سقوط نيزك.
- حضارة مفقودة أو تقنيات متقدمة: نظريات أكثر جرأة تشير إلى أن الكهوف قد تكون من عمل حضارة غير معروفة استخدمت تقنيات متقدمة، ربما بمساعدة خارجية (كما في نظريات الأجسام الفضائية)، لكن هذه تظل تكهنات بلا دليل.
- موقع طقسي أو ديني: النقوش والرموز تشير إلى إمكانية استخدام الكهوف في طقوس، لكن عدم وجود بقايا طقسية يضعف هذه النظرية.